‏إظهار الرسائل ذات التسميات ادب الاطفال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ادب الاطفال. إظهار كافة الرسائل

الخميس، فبراير 02، 2023

قراءة جديدة في أوراق قديمة


  

قراءة جديدة في أوراق قديمة 


تمثل الكتابة لليافعين تحدٍ صعب وشائك لمن  يقرر أن يخوض غماره وذلك بسبب عدم وجود نمط أو كتالوج محدد يمكن القياس عليه لتلك المرحلة الحرجة التي تقع بين الطفولة والشباب ومقدار ما يحدث خلالها من تغيرات فسيولوجية ونفسية وتفاوت في القدرات والمعارف بين أبناء الجيل الواحد ،فلابد للكاتب أن يكون علي دراية كاملة بطبيعة أفكار واهتمامات هذه الفئة والأسئلة  التي تنازع أنفسهم وتشغل محور اهتمامهم والمفاهيم التي يعتنقونها حول الآخرين والعالم من حولهم ورؤيتهم لأنفسهم و لحاضرهم ومستقبلهم ويجب أن يصاغ كل ذلك في إطار لا يستهين بقدراتهم ولا وعيهم ولا مشاعرهم كما أن الصدق هو باب الوصول المضمون إليهم ،كذلك هناك خيط رفيع بين الكتابة لليافعين، أو الكتابة عنهم ،أو (الكتابة لهم وعنهم في آن واحد) وهو ما يجعل الأمور غير واضحة حتي لدي العاملين في حقل الكتابة والنشر، فيجد الكاتب صعوبة في إقناع الناشر بفكرته ومشروعه ،مالم يكن لدي الناشر هيئة استشارية واعية وذات خبرة كبيرة بهذه التفاصيل

 مجموعةقصص «أوراق قديمة» لعفاف طبالة تمثل أحد هذه التحديات مجموعة مكونة من ثلاث حكايات بعناوين «جيوب» و«تحت الرجلين» و«حجرةالخزين» كتبتها عفاف طبالة بصيغة المتكلم علي لسان فتاة ناضجة تحكي مواقف واجهتها في سنها المبكرة ولعل ذلك كان السبب في أن يتوهم كل من يقرأها أنها سيرة ذاتية أو جزء من مذكرات الكاتبة نفسها،   هذا بالإضافة إلي درجة الصدق والإلمام بمشاعر ورغبات بطلة القصص، والاندماج التام معها، والتعبير عن مشاعرها بأدق العبارات وأقصرها 

لكن الحقيقة غير ذلك تماماً  !! 

أو دعنا نقل غير ذلك بدرجة كبيرة 

نعم هناك تشابه

 فالكاتبة سيدة وكانت طفلة ومن أسرة فوق المتوسطة ولها نفس العدد من الإخوة والأخوات ولكن الحكايات والأفكار والحبكة هي من بنات أفكارها

 فالكاتب مثل النحلة يتذوق جميع الأزهار ويمتص رحيقها ثم يهضمه ويخرجه في النهاية في صورة حكاية يتوهم القاريء من فرط صدقها أنها حقيقية ويبدو أن عفاف فطنت إلي ذلك اللبس فقالت علي لسان الجد في القصة الأخيرة« حجرة الخزين» العبارات التالية 

«قد لا تكون بهذا الجمال في الحقيقة فالفنان لا يقدم الواقع كما هو»

«ما يرسمه الفنان ليس ما عليه الأشياء في الحقيقة بل كما يراه هو أو كما يحب أن تكون» 

« الفنان لا يكذب هو يستوحي من الواقع ليصنع حقيقة خاصة به» 

«الفنان يستبعد أشياء من الواقع ويختلق أخري ليعطي للوحة المعني الذي يريد»


في الحكاية الأولي «جيوب»  بطلتنا طفلة لها شخصية مختلفة لكن لا أحد يلتفت إلي رغباتها البسيطة ولا يعترف بشخصيتها المستقلة ولا يحترم ذوقها الرافض للمألوف إنها فتاة رقيقة وذكية ومختلفة وهي كذلك مستقيمة الخلق ترفض الغش ولا تتنازل عن أحلامها ولو باعدت بينها وبين تحقيقها الظروف ولديها القدرة علي شرح وجهة نظرها والتأثير في الآخرين ولو كان ذلك التأثير لا يظهر إلا بعد سنوات طويلة حيث تتأكد أن الأحلام أبدا لا تموت بل تبقي حاضرة في نقطة بعيدة من الوعي حتي تأتيها الفرصة لتتحقق


في القصة الثانية «تحت الرجلين» نتابع يوميات الفتاة التي تبدو لأول وهلة هي نفسها بطلة الحكاية الأولي فهي كذلك مستقيمة صادقة ولكنها مسالمة وتكره الدخول في صراعات من أجل أشياء تراها تافهة، ولكن ما يزعجها عدم تفهم الآخرين هذا ، واستسهالهم الاستيلاء علي حقوقها واتهامها بالجبن بسبب ذلك التسامح، فهم يستولون علي حقوقها اعتمادا علي أنها عاقلة، لكنها كانت تشعر بالظلم رغم ذلك

 مع أنها في الحقيقة تؤمن أن دخولها في شجار من أجل بعض المكاسب التافهة يجعلها غير راضية عن نفسها

 ونتعرف من خلالها أن التنازل ربما يحتاج أحيانا إلي شجاعة أكثر مما يحتاجه الشجار وفي النهاية وبعد سنوات كثيرة تكتشف أن مشاعر أمها نحوها كانت حقيقية ولم تكن أبدا تطييبا لخاطرها حتي تمرر حلولها المنحازة نحو إخوتها ولكنها كانت تعنيها فعلا 

" لم تظلميني طوال هذه السنين إذن بل أنا التي كنت أظلمك»

 

القصة الثالثة «حجرة الخزين» نستمر مع بطلتنا المستقيمة التي تكره الكذب وتتجنب إيذاء الآخرين بكل وسيلة ولكنها تعاني أيضا بسبب عدم التفاعل معها من جانب إخوتها أو أقاربها الأكبر منها ،فهي لا تجد معهم ما يناسب ميولها نظرا لفرق السن بينهم واختلاف الاهتمامات ، فتتجه إلي شغل وقتها بالتعرف علي بيت الجد الغامض وكسر التابوه المرعب الذي رسمته جدتها المتسلطة حول بعض الأماكن في البيت القديم لمنعهم من دخولها

 وتجد في حجرة الخزين مفاجأة تفتح لها آفاقا متعددة من المشاعر والأفكار والحكايات الملهمة وهذه القصة بالذات أشعر أنها كانت تستحق من الكاتبة المزيد من العمل

 فهي مفعمة بالأفكار والمشاعر والأحداث  وربما المغامرات المثيرة التي تناسب رواية قصيرة وقد برزت فيها عفاف المخرجة في كتابة مشهدية كان بطلها الضوء والظل والصورة  لتقدم محتوي بصري موحٍ وكأننا أمام المخرجة  الفنانة تكتب ملاحظاتها لمدير التصوير لينفذها في صور رمزية معبرة ذات حس مرأي باهر «مدرسة الرسم بالضوء »

 مثلا🎬

  " كانت علي جانبي الممر الأيمن والأيسر حجرات موصدة الأبواب وفي نهايته من الطرفين بابان كبيران ينفذ من عقبيهما بصيص لضوء النهار في الخارج وفي مواجهة السلم في العمق غرفة غارقة في الظلام بدت لي في حلكته كفم غول مفتوح»

«لاحظت خيط نور مرسوما تحت عقب باب الحجرة الاخيرة» 

«خرج من الحجرة رجلان تاهت تفاصيل ملامح وجهيهما في ظلمة الممر »

«لكن الضوء النافذ من الباب كشف تفاصيل المكان»

«كان الضوء ينعكس علي جانب واحد من وجهه ويرمي بظل جسمه الطويل علي أرض الممر »

«رمي ضوء الشمس بظل كل ما اعترضه علي الارض» 

«التفتُ إليه فرأيت ضوء شمس  العصر قد فرش نوره علي كامل وجهه لحظتها بدا لي جدي بجلبابه الأبيض كملاك طيب»

«علي ضوء أباجورة تتوسط السريرين تركت مضاءة بأمر جدتي» 

«تخيلت نفسي فلاحة تغني وتعمل في الحقل ألهمت فنانا ليرسمها »

«كان الضوء النافذ من الباب يغطي وجهه ويرمي بكامل ظله عليّ »


-أنت دائما تشيد بأعمال عفاف طبالة؟!😎

- يبدو أن حبك لها يؤثر علي رؤيتك فتكون منحازاً دائما🙏

- ولم لا ؟

يا صديقي عفاف طبالة تمثل تحدياً مرعبا لكل من يكتب لليافعين، أعمالها حصدت كل الجوائز وكتبها ومن ضمنها هذا الكتاب مقررة علي طلاب المدارس ومرشحة من قبل الهيئات التربوية العالمية 🔬


- إذن دعني أبحث عن أشياء ربما كانت سلبية أو غير منطقية  غابت عنك

في حكايتها الأخيرة التي أشدت بها «حجرة الخزين» 

- خذ مثلاً:

 علمنا أن الجد قد تقاعد لكنه يقدم الإستشارات المجانية للفقراء 

وعندما تأخر هو والبطلة في الخارج نجد الجدة تفترض مباشرة أنه كان في المحكمة من أين جاءها هذا اليقين «ألم يتقاعد؟ » 

ويجيبها  مجاريا لها أن المحاكم تغلق لكن المكاتب تظل مفتوحة! مع أن مكتبه في نفس البيت؟ 


كذلك غياب البطلة الفتاة الصغيرة عن الجد والجدة غير المبرر والمدي الزمني الطويل دون تواصل مباشر لأكثر من عشر سنوات علي هذه الزيارة ومع ذلك مازال الجد محتفظاً بتفاصيلها بل كوّن رأياً مسبقاً نحو الطفلة التي كبرت وافترض أنها لابد أن تكون نفس الشخص الذي كانته منذ عشر سنوات

 ثم تشعر الكاتبة أنها ربما تسرعت قليلاً فتقدم مبررا علي لسان الجد ،« أنه كانت تصلني أخبارك»

هذه المنطقة فيها ضعف، وكانت تحتاج إلي المزيد من المواقف تتيح التواصل بين الجد والحفيدة بأي وسيلة  

حتي يستقر لديه ذلك اليقين والاقتناع الذي تكوّن خلال هذه السنين وما تبعه من اتخاذه لقرارات هامة والبوح لها بأسرار خاصة 

«مرت سنوات تراجعت

فيها وقائع هذه الزيارة لبيت جدي الي خلفية ذاكرتي حتي كدت أنساها» 

«طلب جدي من أمي أن تبلغني أنه سينتظرني فيها لنستكمل حديثا بدأناه منذ سنوات ولم ينته بعد فالظروف لم تسمح بزيارات صيف أخري»

- أرجو أن يكون نقدي السلبي قد أقنعك بموضوعيتي؟

- علي كل حال أنا أري أن هذه المجموعة الصغيرة من أقوي وأجمل ما قرأت لعفاف طبالة

كما أن رسوم هنادي سليط التي جاءت بطريقة الظلال كأنها  لوحات لخيال الظل وبلا ملامح كانت مناسبة جداً ومتوافقة مع رؤية الكاتبة التي لم تذكر اسماً لأي من شخوص القصص ليجد كل منا فيها جزءاً من نفسه، 

كما أن بالقصص الكثير من الخلاصات المعبرة التي يمكن اعتبارها حِكَماً و مقولات نادرة 

وكان أكثر ما مسني بشكل شخصي قولها «السلامة هي أن نستمتع بالرحلة وليس فقط أن نظل أحياء »🙏


- طبعت الطبعة الأولي أغسطس 2007 عن دار نهضةمصر


- أوراق قديمة مجموعة قصص قصيرة للشباب، اختيرت لتكون واحدةً من كتب مكتبات مدارس المرحلة الإعدادية على مستوى الجمهورية 2008؛ وكانت ضمن قائمة شرف تضمنت عشر كتب على مستوى الوطن العربي لإختيار معرض ال101 كتاب الذي تنظمه مؤسسة أنا ليند الأورو متوسطية.


− أنتجت وزارة الثقافة في الأردن القصة الثالثة من المجموعة "حجرة الخزين" كمسرحية في مهرجان مسرح الطفل في عمان في 2012


شكرا د.عفاف علي هديتك القيمة💕

الأربعاء، يونيو 13، 2007

انسان جديد




انسان جديد

كارم صديقي تلميذ لطيف ذا وجه سمين وخدين ورديين، وعينين سمراوين لامعتين، وأذنين بارزتين كبيرتين، ودائماً ما كان يسامرنا بأنواع مختلفة من القصص ، ويقلد أصوات الحيوانات تقليداً بارعاً ، وأحيانا ما يلهو بالصفير أثناء الدرس أو يقلد حركات زملاءه ، كما كان يقلد المدرسات في بعض الأحيان ، وكانت له براعة في المحاكاة، بحيث كان تقليده يحدث ضجة في الفصل ، تجعله يزهو بما يحققه من نصر وكان هو لا يضحك أبداً ، بل يؤدي ألعابه بوجه جامد، وقلما تبدو على وجهه ابتسامة قصيرة ، لكنه للأسف ، كان لا يهتم بدروسه ولا بنظافة كراساته، تناولت الأستاذة هالة كراسته ذات مرة وقالت : إن كراستك قذرة جداً، كيف أستطيع أن أمسكها إنها تدعو إلى الاشمئزاز .
فاستدار كارم إلى الجهة الأخرى وقال : لا تمسكيها إذن .
فقالت : أيليق بك أن تخاطب مدرستك بهذه اللهجة ؟.
فأجابها بعدم اهتمام : أنا لم أقل شيئاً .
وكان ذلك شيئاً غريباً على فصلنا ، أصابنا بالذهول فلم يسبق أن أجاب أحدنا بتلك الطريقة على مدرسته، شيئاً فشيئاً أخذت تصرفاته تسوء أكثر، ويرفض أن يطيع أي شخص ، ويمتنع عن أداء الواجب ، حتى أصبحنا في حيرة من أمره ، لا نعرف ماذا نصنع من أجله ، لكننا اتفقنا على أن نتجاهله ، حتى لم نعد نضحك من حركات وجهه أو محاكاته لأصوات الحيوانات ، فهو ينبح ويموء كما يهوى ، لكن أحداً لم يكن ينظر نحوه ..
عندما لاحظ كارم أنه منبوذ أخذ يسأل كل من يقابله : لماذا تبتعدون عني ولا تستعينون بي في أي نشاط من أنشطة الفصل، ماذا حدث ؟.. أجابه حسام : إذا أردت أن يحترمك الناس يجب عليك أن تحترمهم وعندها فقط ، تكون عضواً مساوياً لغيرك من أعضاء الجماعة ، وعليك أن تعتذر عما بدر منك نحو الأستاذة هالة فهي تحبنا جميعاً ولا تريد إلا مصلحتك ، لمعت دمعة في عين كارم وقال : هل تعلمون ؟.. ذات مرة أخطأت في أداء واجبي وتلوثت كراستي ببعض البقع ، فحزنت لذلك ووضعت علامة على الصفحة كلها وكتبت أسفلها بحروف كبيرة ، هذه الصفحة سأعيد كتابتها ، ثم أعدتها كلمة كلمة، لكن الأستاذة هالة شطبت على الصفحة كلها بالقلم الأحمر وأعطتني أربع درجات ، ومن يومها أصبحت حزيناً ، أقول لماذا لا يعاملنا الكبار بالاحترام اللازم ، لماذا يستخفون بنا ويحرموننا من العطف والحنان ، بالرغم من اعترافنا بالخطأ والرغبة في تصحيحه ؟!!
ما إن علمت الأستاذة هالة بهذه الحكاية ، حتى غفرت لكارم تهوره ، وقررت أن تعيده إلى الجماعة بطريقتها ، ففي صباح أحد الأيام قالت : إن لدينا دعوة للمشاركة في حفل خاص تقيمه دار الأيتام التي بجوارنا ، وأنا أقترح أن تكون مشاركتنا عن طريق عرض تمثيلي ، قال أشرف : لكننا ليس لدينا جماعة للتمثيل !.. فأجابت : ولماذا لا نبدأ إذن في تكوين تلك الجماعة من الآن ، على أن يرأسها كارم ، ولقد عثرت على تمثيلية قصيرة تصلح للمشاركة ، وقرأتها علينا ..
سعد كارم سعادة غامرة بتلك الثقة ، وعندما بدأ العمل أخذ يعمل بنشاط وحماس شديدين ، وفكر في إضافة بعض النكات المضحكة إلى دوره ، وأصبح خير ممثل في تلك الحفلة التي أقيمت في دار الأيتام ، كما أحبه أطفال الملجأ وعقد صداقات جميلة مع العديد منهم ، وطلبوا منا جميعاً أن نأت دائماً لنزورهم ، وفي الحقيقة أن زيارتهم كانت تحقق لنا الكثير من السعادة ، لذلك قررنا أن نحمل إليهم الهدايا ونذهب لنسامرهم في أقرب فرصة ، وصار كارم منذ ذلك اليوم أشد أعضاء الجماعة تحمساً كما تغير بالفعل وأصبح ملتزماً حدود الأدب في أثناء الدرس ولا يسمح لذهنه أن يشرد أبداً وتوثقت صداقته مع المعلمة ومع جميع التلاميذ .

السبت، مايو 12، 2007

تواضع الابطال





قصة قصيرة للأطفال
عبدالحكيم محمود

" المناقشة القادمة موضوعها ما البطولة ؟ على الجميع الاستعداد "
كان هذا هو عنوان اللوحة المعلقة فى بهو المدرسة منذ أسبوع ..

فقد كانت الأستاذة إيمان قد بدأت مع فصلها طريقة طريفة لدفعهم نحو الاطلاع والبحث وإثارة شهيتهم بشتى الطرق، كانت أحيانا تقص عليهم حادثا طريفا من كتاب لم يقرءوه فيثير فيهم غريزة حب الاستطلاع فيطلبون منها المزيد لكنها لا تجيبهم إلى طلبهم وتقول لهم فى حزم "هاتوا الكتاب واطلعوا عليه" .. وقد تقص عليهم طرفا من قصة ثم تقطع حديثها عند النقطة التى تشعل فى نفوسهم لهيب الشوق وتقول لهم "تستطيعون أن تقرءوا بقية القصة بأنفسكم" وكانت هذه الطريقة تثير غيظ نبيل بصفة خاصة ، وكان هذا الفتى قليل الصبر لا يطيق أن يظل متشوقا لمعرفة مصير أبطال القصة فكان يقول لها فى رجاء حار "أخبرينا فقط هل ستنتهى القصة نهاية أمنية أم محزنة أرجوك يا أستاذة إيمان أن تخبرينى " .ولكنها ترفض ضاحكة ..

كانت المناظرة تحت رعاية إدارة المدرسة ، وأخذ كل شخص يستعد ، لها وزاد الاقبال على المكتبة للإطلاع على الكتب التى تبحث فى سير عظماء الرجال والحروب قديمها وحديثها .

وكان على سامح مساعدة الأستاذة إيمان فى إدارة المناقشة ودعوة الضيوف ، فى البداية وقف سامح لإلقاء كلمته وقال "يجب على الجميع المشاركة فى الإجابة على السؤال المطروح ولكنى من وجهة نظرى أرى أن هناك تعريف لا نزاع فيه وهو أن البطولة هى العمل الذى يُبذل فى سبيل الدفاع عن قضية عادلة والذى يمليه مثل أعلى رفيع ، ولنبدأ الحديث على من يريد الحديث أن يرفع يده" .

تقدمت هالة قائلة "هل لى أن أوجه سؤالا ؟ لنتصور بيتا تشتعل فيه النيران ، تندلع ألسنة اللهب فى السماء وفجأة تصرخ إحدى النساء لأن طفلها الرضيع وقع فى فخ البيت المحترق ؛ فإذا بك تندفع فى غمار النيران وتجازف بحياتك فتشق طريقك وسط اللهيب وتعود أخيرا وقد أصابت جسمك الحروق ، وتحمل الطفل بين ذراعيك هل نسمى هذا العمل عملا من أعمال البطولة ؟" .

قال طارق متعجبا "هو كذلك بكل تأكيد ولكن ماذا ترينه أنت ؟" .

قالت " لو أن هذا الإنسان فعل ذلك بقصد الرياء ؛ ألا يدلنا ذلك على أن المهم هو العمل نفسه ونتيجته وليس الدافع الذى يدفع للقيام به" .

عند ذلك تعالت الأصوات وأخذ كل واحد يتكلم فى نفس الوقت ثم انبعث بالتدريج صوت استرعى انتباه الجميع "إننى لا أوافق على هذا إن الشخص الذى لا يستطيع أن يقوم بأى عمل من أعمال البطولة إلا أمام الناس أبدا لا يجازف بحياته ، عندما لا يراه أحد ؛ لأن هذا الشخص تسيطر عليه عاطفة الغرور والطموح الأجوف ، يفكر فى نفسه قبل كل شئ ، وليس على استعداد للتضحية ، وهو ما يخالف أى معنى من معانى البطولة" .

صاحت الأستاذة إيمان "أيها التلاميذ .. اطلبوا الكلمة ثم تقدموا إلى المنصة نريد أن يقول كل كلمته ، ويعبر عن رأيه دون أى تشويش ويجب على الجميع أن يلتزم بأدب الحوار الذى تعلمناه" .

رفع صلاح يده طالبا الكلمة "هل كل شخص خاطر بحياته يعد بطلا ؟ إن الناس الذين تجردوا من المبادئ يستطيعون أن يأتوا بأعمال البطولة بهذا المقياس فهل المجرم الذى يخاطر بحياته وهو يمارس إجرامه ، ينطبق عليه تعريف البطل ؟" .

هنا جاء دور سمير ليقول "نعجب دائما بشجاعة الذين يضحون بحياتهم دفاعا عن الحقيقة ، فالبطولة هى شئ تحدده عدالة القضية فلا توجد بطولة مجردة من الهدف ، إن العمل الذى يبذل فى قضية جليلة هو الذى يمكن أن يسمى عملا من أعمال البطولة ، لكنكم تقرنون البطولة بشئ موقوت يتضمن المخاطرة بالحياة ، فهل ذلك هو ما تعنيه البطولة ؟" .

تناولت الكلمة الأستاذة إيمان قائلة "كلا بالطبع .. ولكن ما بال البطولة العادية اليومية التى يقوم بها العامل الذى يحافظ على آلته وقت الأزمات ويتجاوز الخطط التى رسمت له ، ويحقق إنتاجا فائضا ينفع مجتمعه ، إن أمامكم جميعا فرصا كبيرة لتصبحوا أبطالا بوسائلكم الصغيرة إن فترة الشباب هى التى تحدد قيمتكم بالنسبة للمستقبل ، عليكم أن يسأل كل منكم نفسه ؛ ما الصفات التى يجب أن أربيها فى نفسى لكى أحيا حياة شريفة ويكون لدى من القوة ما أتحمل معه كل صعوبة تعرض لى فى حياتى ؟" .

انتبه الجميع على أصوات همهمة عندما دخل رجل طويل القامة قوى البنية ذو وجه مشرق والأوسمة الحربية تزدان بها حلته ، فقامت الأستاذة إيمان مرحبة به قائلة "أهلا سيادة العميد أشرف" ثم التفتت إلى التلاميذ وقالت "أقدم لكم يا أصدقائى أحد أبطالنا العظام فى حرب أكتوبر ووالد صديقكم شريف" .

جلس الرجل وأخذ يستمع إلى الحوار فى سعادة وعندما انتهى الجميع قالت الأستاذة إيمان "الآن حان الوقت لنستمع إلى بطل حقيقى ، فماذا يقول لنا العميد أشرف" .

بدأ الرجل حديثه قائلا " فيم تريدون أن أتحدث إليكم يا أحبابى" .

مرت برهة ساد فيها الصمت ، حتى قطعه صوت أمنية القادم من أقصى القاعة قائلة "حدثنا عن أوسمتك وسبب حصولك عليها من فضلك". استحسن الجميع الاقتراح وهمهموا بالموافقة ، نظر السيد العميد أشرف إلى التلاميذ نظرة حانية تدل على الاهتمام والتقدير وبدأ حديثه قائلا "أعرف أن الوسام يعتبر فى نظركم رمزا لعمل خارق من أعمال البطولة لكنى أخشى أن أخيب ظنكم". همهم الجميع مستغربين ، واستطرد العميد أشرف وقال " هذا الوسام مثلا لقد حصلت عليه لعبورى القناة مرات عديدة ، والقيام بعمليات ناجحة خلف خطوط العدو ، ولكنى أكبر الظن كنت سأتعرض للغرق لو لم يتح لى أن أجيد السباحة وأن أحافظ على سلامة جسمى منذ كنت فى سنكم ، ومن ذلك ترون أنه ليست هناك قصة كبيرة وراء هذا الوسام ، أما هذا الوسام الآخر فقد حصلت عليه لأننى استطعت الافلات برجالى من الحصار الذى ضربه العدو حولنا فى منطقة المضايق فى سيناء دون أدنى خسائر ، ومع ذلك لا أجد سببا للحصول على هذا الشرف لأن كل شئ كان يتوقف على الجنود الذين كانوا معى وعانوا جميع المصاعب والأخطار بكل شجاعة ، ولكن لماذا استطاعوا أن يتحملوها فى رأيكم" .

تقدم سامح قائلا "إنهم لا بد أن يكونوا أقوياء أشداء عمالقة من نوع ما". أجاب العميد أشرف "صحيح أن الجندى يجب أن يكون قويا سليم الجسم قادرا على المقاومة إلى حد كبير ولكن ذلك ليس كل شئ ، إن هناك شئ أقوى من قوة الأجسام هو قوة الروح وقوة الإيمان بالهدف ، إن رجالنا فى الخطوط الأمامية كانت أرواحهم قوية لذلك استطاعوا أن يتحملوا كل شئ ، لقد كانوا يحاربون من أجل أروع المبادئ وأسماها فى العالم لذلك تحقق لهم النصر".

وقف ابراهيم متلعثما وقد احمرت أذناه من الخجل وقال بعد تردد "أريد أن أسأل إذا لم يُؤت الإنسان قوة الإرادة فماذا يفعل ؟".

أجاب العميد أشرف "أتظن يا صديقى أن الإنسان يولد قوى الإرادة كلا إن قوة الإرادة أمر مكتسب".

صاحت أصوات عديدة "كيف يمكن اكتسابها ؟".

أجاب "كيف ؟ سؤال جيد .. علينا أن نبدأ بصغير الأمور بأقرب الأمور إلينا ما يجرى كالمعتاد ويدور فى حياتنا اليومية ، خذ مثلا النظام ، نعم النظام ؟ ، لقد سمعتم هذه الكلمة من قبل بالتأكيد إنكم تستيقظون فى الصباح وتستعدون للذهاب إلى المدرسة فتجدون الكهرباء موجودة ، والماء كذلك والغاز ثم تخرجون من منازلكم فترون الأتوبيسات تمر بكم ، والترام يعمل ، والقطار يسير ينقل الناس إلى مقار أعمالهم ، والمتاجر مفتوحة وكل فرد منصرف إلى عمله وكل فرد له ما يشغله".

أصغى الأولاد فى دهشة إلى هذا الاستطراد وتساءل نبيل"ما علاقة ذلك بموضوعنا" .

أكمل الرجل حديثه "إنكم ألِفتم ذلك بحيث تعتبرونه قضية مسلمة .. ولكن لنفرض أنك وقفت وتأملت قليلا فى هؤلاء الناس الذين يعملون من أجلك سترى أن ذلك ما كان يحدث لولا وجود اتفاق عام بين الناس ، وبعبارة أخرى وجود نظلم بينهم ، فالنظام معناه أنك إذا كنت عضوا فى جماعة وجب عليك أن تلتزم بقوانين هذه الجماعة ، وبدون ذلك يختل النظام ، ويختل كل شئ فيها .. قد يقول أحدكم أن هذا أمر بسيط وواضح لكل إنسان ، اسمحوا لى أن أذكر السبب فكل منكم يفهم ضرورة النظام فى المصانع والجيش ولكن ماذا عن الفصل وما بال المدرسة ، إن النظام فيهما له مظاهر متعددة فهو يعنى عدم الحضور إلى المدرسة متأخرا ، وعدم التكلم أثناء الدرس ، ويعنى آداء واجبك المنزلى على أكمل وجه .. باختصار أن تلتزم القواعد المقررة على الجميع".

أشار أحمد يطلب الكلمة فسمحت له المعلمة ، فقال أحمد " هل لكم أن تخبرونا كيف يخلق ذلك منى عاملا جيدا أو جنديا شجاعا مع العلم أن واجباتى المدرسية تعد أمرا بسيطا بالقياس إلى ما هو مطلوب منى عندما أكبر ؟" .

أجاب العميد أشرف "يجب أن تعملوا على تنمية قوة الإرادة منذ الطفولة كما تعملون على تنمية عضلاتكم يجب ألا يتصور أحدكم أن قوة الإرادة تأتى من تلقاء نفسها ، إن الوسام الذى يزدان به صدر الجندى وإن دل على أنه أتى عملا باهرا من أعمال البطولة ؛ إلا أنه ما كان لينال هذا الوسام لو لم يتصف بقوة الإرادة والعزم والقدرة على قهر الصعاب حتى تلك التى تبدو فوق طاقة البشر".

فى نهاية الندوة شكرت الأستاذة إيمان ضيفها وكل من شارك فى الندوة بالرأى أو بالسماع ، انتهزت أمنية تلك الفرصة لتدعوا الجميع إلى ندوة فى جماعتها للتعرف على قصة من قصص البطولة فى تاريخنا الفرعونى ، وهى قصة الملك "سقنن رع" الذى بدأ فى عهده النضال لطرد الهكسوس من مصر وتخليص البلاد من الاحتلال الأجنبى ، وكفاح زوجته الملكة " أعح حتب " وابناها كامس وأحمس وعلى الجميع الاستعداد .

على الفور تحرك الجميع ، البعض التف حول العميد أشرف وشريف ولده بجواره فخور معتز والبعض اتجه مباشرة نحو المكتبة للبحث فى تاريخ هذه القصة استعدادا لندوة جماعة القصة الفرعونية .
Powered by eSnips.com